جان لوئيس بوركهارت
154
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
في ثلاث منها ضارب إلى الملوحة ، وماء بئرين منها لا بأس به ولكنه شحيح ، وقد استنفدناه حين ملأنا القرب . وفي الصباح اشتجر القوم حول الماء الذي فاض من البئرين في أثناء الليل ، فكانت كل جماعة تريده لنفسها . 14 مارس - إن الظل الوارف الذي تبسطه أشجار الدوم على وادى نابه ، وما بالوادي من آبار فياضة الماء ، قد جعلاه أهم موقع على الطريق بعد حيمور وشقرة . وقد درجت القوافل الصغيرة على أن تنزل بهذا الوادي أياما وهي في طريقها إلى بربر لتسترد الإبل قوتها ، وهم يزعمون أن مياه الوادي تنعش الإبل وتشددها ، وهي من غير شك ذات خواص مسهلة . أما القوافل الكبيرة فيستحيل عليها المكث بالوادي أكثر من ليلة واحدة لقلة مائه المستساغ . وظل شيوخنا طوال الصباح يتشاورون ، فقد كان أمامنا مسيرة يومين إلى شقرة ، ومنها رحلة خمسة أيام لبربر على النيل . وكان تحميل الجمال بمئونة من الماء تكفى الرحلة كلها أمرا مستحيلا ، ولم يكن يرجى العثور على ماء جنوب شقرة ، وما نرجوه في شقرة نفسها ضئيل قليل . وهناك مورد آخر للماء يدعى نواريك ينبع في الجبال صوب الجنوب الشرقي على مسيرة أربعة أيام ونصف من نابه ومثلها من بربر ، وكان الأصوب أن نتخذ هذا الطريق لولا جهل القوم به ، اللهم إلا بشاريا كرهوا أن يركنوا إليه في إرشادهم . وذكروا لي أن هناك طريقا ثالثا يخرج من نابه متجها للجنوب الغربى بانحراف للجنوب وينتهى إلى النيل بعد رحلة حثيثة تستغرق ثلاثة أيام ونصفا ، ولكن هذا الجزء من النيل يسكنه عرب مقرات ، وهم خصوم لقومنا ، وقد قتل زعيمهم نعيم مؤخرا بيد أحد شيوخ العبابدة . وقد درج المسافرون في ظرف كهذا على أن يدلى كل منهم برأيه . وكان رأيي أن نقتل حميرنا الخمسة والثلاثين التي كانت تستنفذ من مائنا كل يوم خمس عشرة قربة على الأقل ، وأن نحمل الإبل أقصى ما تطيق من الماء ، ثم نشق لنا طريقا مستقيمة إلى بربر دون أن نميل على شقرة ، وقد نستطيع بهذه الوسيلة أن نتم رحلتنا في خمس مراحل طوال . ولكنك لن تستطيع أن تحمل العرب في مناسبات كهذه على اتخاذ قرار جرىء حاسم ، فهم لا يفتأون يعللون النفس بعبارتهم المألوفة « اللّه كريم » . وعلى ذلك فقد قرر القوم أن